أزمة سد النهضة: فرض سياسة الأمر الواقع على مصر والسودان

ملخص

أزمة سد النهضة لم تكن وليدة اللحظة، وإنما تعود لعام 2011، عندما أعلنت إثيوبيا وضع حجر الأساس لسد يقلّل من حصة مياه النيل لكل من مصر السودان، ما أثار حفيظة مصر ووتّر العلاقات بين البلدين، ودخلت القاهرة والخرطوم وأديس أبابا في مفاوضات للاتفاق حول كيفية الحد من تأثير السد الإثيوبي على كميات المياه المتدفقة إلى كل من السودان ومصر. ومنذ ذلك الحين، تحاول مصر والسودان التوصل مع إثيوبيا إلى اتفاق بشأن القضية الأكثر تأثيراً على المشروع، وهي الوقت المخصص لملء وتشغيل خزان السد الضخم؛ فمصر تريد أن تكون مدة التعبئة بطيئة لدرجة تمنع أي نقص كبير في إمدادات المياه، بينما تريد إثيوبيا تسريع إمكانية وصولها إلى مصدر جديد للطاقة قادر على إحداث ثورة في إمكانياتها.

وقبل عقد مجلس الأمن اجتماعه الخاص بشأن التوصل لاتفاق سياسي بشأن سد النهضة الإثيوبي، سارع الاتحاد الأفريقي لحل القضية داخل بيت القارة، وعلى خلفية ذلك، عقد اجتماعاً طارئاً عبر تقنية الفيديو كونفرنس، يترأسه رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا، وبمشاركة أعضاء مكتب الاتحاد الحالي، أي مصر ومالي والكونغو الديمقراطية وكينيا والسودان وإثيوبيا، على خلفية خلافات ومفاوضات متعثرة بين القاهرة والخرطوم وأديس أبابا.

في السابع عشر من شهر تموز 2020، اجتمعت الأطراف لحل الخلافات الفنية بين دول حوض النيل في إطار الحوار بينها. وقلّت فرص الإجماع على نهاية مرضية للجميع وسط التهديدات الإثيوبية المستمرة على ملء السد، فلم يتم التوصل إلى اتفاق ملزم مع الجارتين. فيما أكدت القاهرة تمسكها ببلورة اتفاق يحدد قواعد الملء وتشغيل السد، ورفضت ما وصفتها بالإجراءات أحادية الجانب التي قد تلحق ضرراً في حقوق مصر في مياه النيل، وهذا ما لا يعجب إثيوبيا، التي تصر على المضي في عملية الملء والتشغيل مهما حدث أو قيل، وهذا ما أكدته إثيوبيا حول ملء السد وتشغيله، سواء بالاتفاق مع مصر والسودان أو بدونه، وأن إثيوبيا لن تسمح لأي أحد بالتحكم في مياه النيل.

إن خشية مصر من انخفاض تدفق منسوب مياه النيل أكبر سيناريو أسود بالنسبة للقاهرة، وستكون تداعياته مدمرة على اقتصاد مصر ومواردها المائية والغذائية، وارتفاع معدلات البطالة، بالإضافة إلى مخاطر أخرى اجتماعية خطيرة مثل ارتفاع معدلات الجريمة وزيادة احتمالات النزوح والهجرة غير النظامية.

صحيح أن هناك العديد من الدول والمنظمات الدولية كانت وما زالت تسعى من أجل إيجاد حل عادل بين أطراف الأزمة، ولكن إصرار إثيوبيا وتعنتها حول ملء السد وتشغيله، وضع جميع المواقف والضغوطات الدولية أمام أزمة حقيقية، ما يعني قبول مصر بسياسة الأمر الواقع والتأقلم مع انخفاض منسوب مياه النيل، كما فرضه القرار الإثيوبي بالشروع في ملء السد دون التوصل إلى اتفاق مع مصر والسودان، وهذا ما أشار إليه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، من أن بلاده أكملت المرحلة الأولى من ملء سد النهضة الذي أقامته على النيل الأزرق، ومن المتوقع أن يكتمل العام المقبل.